محمد جواد المحمودي

179

ترتيب الأمالي

فخرج واثقا باللّه حسن الظنّ به ، فاستقرض دينارا ، فبينا الدينار في يد عليّ عليه السّلام إذ عرض له المقداد رضى اللّه عنه في يوم شديد الحرّ ، قد لوّحته الشّمس من فوقه ومن تحته ، فأنكر عليّ عليه السّلام شأنه ، فقال : « يا مقداد ، ما أزعجك هذه الساعة » ؟ قال : خلّ سبيلي يا أبا الحسن ، ولا تكشفني عمّا ورائي . قال : « إنّه لا يسعني أن تجاوزني حتّى أعلم علمك » . قال : إلى اللّه ثمّ إليك أن تخلّي سبيلي ، ولا تكشفني عن حالي . فقال عليّ عليه السّلام : « إنّه لا يسعك أن تكتمني حالك » . فقال : إذا أبيت ، فو الّذي أكرم محمّدا بالنبوّة وأكرمك بالوصيّة ، ما أزعجني إلّا الجهد ، ولقد تركت عيالي بحال لم تحملني لها الأرض فخرجت مهموما وركبت رأسي ، فهذه حالي . فهملت عينا عليّ عليه السّلام بالدّموع حتّى اخضلت دموعه لحيته ، ثمّ قال : « أحلف بالّذي حلفت به ، ما أزعجني من أهلي إلّا الّذي أزعجك ، ولقد استقرضت دينارا ، فخذه » . فدفع الدينار إليه ، وآثره به على نفسه ، وانطلق إلى أن دخل مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فصلّى فيه الظهر والعصر والمغرب . فلمّا قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله المغرب مرّ بعليّ بن أبي طالب وهو في الصفّ الأوّل ، فغمزه برجله ، فقام عليّ عليه السّلام مستعقبا خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حتّى لحقه على باب من أبواب المسجد ، فسلّم عليه ، فردّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله [ عليه السّلام ] فقال : « يا أبا الحسن ، هل عندك شيء نتعشّاه فنميل معك » ؟ فمكث مطرقا لا يحير جوابا ، حياء من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وهو يعلم ما كان من أمر الدينار ، ومن أين أخذه ، وأين وجّهه ، وقد كان أوحى اللّه تعالى إلى نبيّه محمّد صلّى اللّه عليه وآله أن يتعشّى الليلة عند عليّ بن أبي طالب عليه السّلام . فلمّا نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلى سكوته فقال : « يا أبا الحسن ، ما لك لا تقول : « لا » ، فأنصرف ، أو تقول « نعم » ، فأمضي معك » ؟ قال حياء وتكرّما : « فاذهب بنا » . فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يد عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، فانطلقا حتّى دخلا على فاطمة الزهراء عليها السّلام وهي في مصلّاها ، قد قضت صلاتها ، وخلفها جفنة تفور دخانا ، فلمّا